محمد هادي معرفة
535
التفسير الأثري الجامع
وقال الشاعر : كرهت العقر عقر بني شليل * إذا هبّت لقارئها الرياح يعني لوقتها في الشتاء . وقال آخرون : هو الضمّ والتأليف ، ومنه قوله : تريك إذا دخلت على خلاء * وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا يعني لم تضمّ في رحمها جنينا . ومنه قولهم : قريت الماء في الحوض ، إذا جمعته . وقروت الأرض ، إذا جمعت شيئا إلى شيء وسيرا إلى سير . ويقولون : ما قرأت الناقة سلى قطّ ، أي ما اجتمع رحمها على ولد قطّ . ومنه أقرأت النجوم ، إذا اجتمعت في الأفق . ويقال : أقرأت المرأة ، إذا حاضت ، فهي مقرئ . ذكره الأصمعي والكسائي والفرّاء . وحكي عن بعضهم « 1 » أنّه قال : هو الخروج من شيء إلى شيء ! وهذا قول ليس عليه شاهد من اللّغة ، ولا هو ثابت عمّن يوثق به من أهلها ، وليس فيما ذكرنا من الشواهد ما يليق بهذا المعنى ، فهو ساقط مردود ! قال الجصّاص « 2 » : إن كانت حقيقة القرء الوقت ، فالحيض أولى به ، لأنّ الوقت إنّما يكون وقتا لما يحدث فيه ، والحيض هو الحادث ، وليس الطهر شيئا أكثر من عدم الحيض ، وليس هو ( عدم الحيض ) شيء حادث ، فوجب أن يكون الحيض أولى بمعنى الاسم ! قال : وإن كان هو الضمّ والتأليف ، فالحيض أولى به ، لأنّ دم الحيض إنّما يتألّف ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال الحيض . قال : فإذن ، القرء اسم للدم ، وليس باسم للطهر ، ولكنّه لا يسمّى بهذا الاسم إلّا بعد ظهوره ، إذ لا يتعلّق به حكم إلّا في هذه الحال . قال : على أنّه لا يقين أنّ الدم يتكوّن حيضا في الرحم حال الطهر ، إذ لا سبيل إلى العلم بذلك ! والدم لا يكون حيضا ولا يسمّى بذلك - كما لا يتعلّق به حكم - إلّا بعد السيلان ، لا عند كونه محتبسا
--> ( 1 ) وقد مرّ عليك أنّه اختيار الراغب ! ( 2 ) وضع يده على نكتة دقيقة ، نبّهنا عليها ، وهو البيت القصيد .